في خطوة وُصفت بأنها تحول تاريخي في مسار أحد أقدم النزاعات الإقليمية في إفريقيا، اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارًا يعترف رسميًا بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كالحل الوحيد للنزاع حول الصحراء. القرار، الذي حظي بتأييد 11 دولة من بينها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية والدنمارك وسلوفينيا واليونان وغيانا وسيراليون والصومال وبنما، وامتناع ثلاث دول فقط عن التصويت هي روسيا والصين وباكستان، مقابل عدم مشاركة الجزائر، يُعد نقطة تحول حاسمة في مسار هذا الملف الذي ظل لعقود رهين التجاذبات السياسية والدبلوماسية.
جاء اعتماد القرار بعد مفاوضات مكثفة شهدتها كواليس الأمم المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، حاولت فيها الجزائر ومعها عدد من حلفائها تعديل الصياغة الأصلية للمشروع الذي كانت الولايات المتحدة صاحبة قلمه. غير أن النص النهائي احتفظ بروحه الأساسية، ولم تطرأ عليه سوى تعديلات شكلية تتعلق بلغة الأمم المتحدة، دون أي مساس بجوهره، وهو ما يعكس قوة الزخم الدبلوماسي الداعم للموقف المغربي داخل مجلس الأمن. فالقرار يؤكد، منذ فقراته الأولى، أن خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 تشكل الحل العادل والدائم والواقعي للنزاع، دون أي إشارة إلى بدائل أخرى مثل الاستفتاء أو التقسيم، وهو ما يُعد سابقة في تاريخ قرارات المجلس المتعلقة بالصحراء.
هذا التحول لا يعكس فقط نجاح الدبلوماسية المغربية في ترسيخ مقترحها كإطار وحيد للتسوية، بل يعبّر أيضًا عن إعادة تموضع لعدد من القوى الدولية في رؤيتها لهذا الملف، خصوصًا بعد اتساع دائرة الدول التي أعلنت دعمها العلني والصريح لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الأكثر جدوى واستقرارًا في المنطقة. ويبدو أن هذا القرار، الذي جاء بصيغة واضحة غير قابلة للتأويل، يكرس الاعتراف الدولي المتزايد بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ويضع حدًا نهائيًا للغموض الذي كان يكتنف الموقف الأممي طوال السنوات الماضية.
ردود الفعل الأولى جاءت متباينة بين ترحيب مغربي واسع وارتباك في الجبهة المقابلة، حيث اختارت الجزائر عدم المشاركة في التصويت في إشارة إلى عزلتها المتزايدة داخل مجلس الأمن. أما جبهة البوليساريو، التي كانت تراهن على استمرار مقاربة “الاستفتاء لتقرير المصير”، فتجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يضيق هامش المناورة أمامها، ويضعها أمام استحقاق مراجعة خياراتها السياسية بعد أن أغلقت الأمم المتحدة فعليًا الباب أمام أي طرح خارج الحكم الذاتي.
القرار الأممي الجديد لا يغير فقط قواعد اللعبة الدبلوماسية، بل يرسم ملامح مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في المنطقة المغاربية، خصوصًا إذا ما رافقته خطوات عملية لترسيخ التنمية في الأقاليم الجنوبية وتعزيز الحوار الإقليمي. كما أنه يعزز مكانة المغرب كشريك موثوق في قضايا الأمن والتنمية في إفريقيا، ويؤكد في الوقت نفسه تراجع تأثير الخطاب الانفصالي على الساحة الدولية.
بهذا القرار، تُكتب السيادة المغربية على الصحراء بالحبر الدبلوماسي الأممي، وتطوى صفحة كانت تُثقل توازنات المنطقة لعقود. إنه انتصار للدبلوماسية الهادئة ولواقعية الحلول بعد زمن طويل من الشعارات والصراعات العقيمة، ويمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف بالواقع واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

















