حين تتحول الساحة إلى مطرح نفايات: من يحمي كرامة أحياء القنيطرة؟

هيئة التحرير2 أبريل 2026آخر تحديث :
حين تتحول الساحة إلى مطرح نفايات: من يحمي كرامة أحياء القنيطرة؟

في مدينة القنيطرة، وتحديدًا في الساحة الواقعة بين الدائرة الأمنية الثالثة ومؤسسة الخيرية الإسلامية والمؤسسة التعليمية المجاورة، يفرض علينا الواقع المؤلم أن نتوقف عند مشهد لا يليق بمدينة لها تاريخها ولا بحي يفترض أن يحظى بالحد الأدنى من العناية والاحترام. هذه الساحة، التي كان من الممكن أن تكون فضاءً منظّمًا ومتنفسًا للساكنة والمارة والتلاميذ، تحولت مع مرور الأيام إلى نقطة سوداء تُرمى فيها الأزبال والنفايات بشكل عشوائي، حتى أصبحت عبئًا حقيقيًا على الجميع، ومصدرًا دائمًا للتلوث البصري والروائح الكريهة التي تزداد اختناقًا مع اقتراب فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة وتشتد معاناة السكان، وتصبح الروائح تزكم الأنفاس وتُنذر بما هو أسوأ إذا استمر هذا الوضع على حاله.

إن ما يحدث في هذه الساحة لا يمكن اختزاله في مجرد تراكم للأزبال، بل هو صورة واضحة لاختلال في تدبير الشأن المحلي، ومرآة لغياب الحس الجماعي بالمسؤولية، لأن الفضاء العمومي حين يُترك عرضة للإهمال، لا تتضرر جماليته فقط، بل تتضرر معه صحة الناس وكرامتهم وحقهم في العيش داخل محيط نظيف وآمن ومحترم. وحين يكون هذا الفضاء محاطًا بمؤسسة أمنية ومؤسسة خيرية ومؤسسة تعليمية، فإن المفارقة تصبح أكثر إيلامًا، لأننا أمام موقع حساس يفترض أن يكون نموذجًا للنظام والنظافة والانضباط، لا أن يتحول إلى مطرح عشوائي للنفايات في قلب المدينة.

المجلس الجماعي بالقنيطرة يتحمل جزءًا أساسيًا من المسؤولية، باعتباره الجهة المنتخبة التي أناط بها القانون والسكان مسؤولية تدبير الفضاءات العمومية، ومراقبة جودة خدمات النظافة، والتدخل لمعالجة النقاط السوداء قبل أن تتحول إلى بؤر مزمنة للتلوث والإزعاج. فوجود هذه الساحة في هذه الوضعية، وبهذا الموقع بالذات، يطرح أكثر من سؤال حول مستوى التتبع الميداني، وحول نجاعة التدخلات، وحول مدى الجدية في صيانة المجال الحضري. فالمجلس لا يكفيه أن ينتظر تراكم الأزبال ثم يتدخل بعد فوات الأوان، بل المطلوب منه أن يتحرك بمنطق الوقاية، وأن يهيئ المكان بشكل يمنع تحويله إلى مزبلة مفتوحة، وأن يضع حلولًا عملية ودائمة، لا أن يكتفي بحلول مؤقتة سرعان ما يتبخر أثرها.

كما أن الشركة المكلفة بقطاع النظافة لا يمكن أن تبقى خارج دائرة المساءلة، لأن تكرار هذا المشهد يعني أن هناك خللًا واضحًا في التعاطي مع هذه النقطة السوداء، سواء من حيث انتظام جمع النفايات، أو سرعة التدخل، أو فعالية التتبع. فحين تتحول ساحة معروفة إلى مكان تُلقى فيه الأزبال بشكل متكرر، يصبح من واجب الشركة أن تتعامل مع الأمر باعتباره حالة تستوجب معالجة خاصة، لا مجرد مرور روتيني قد لا يغير شيئًا في الواقع. النظافة ليست مجرد شاحنة تمر من حين لآخر، بل هي منظومة متكاملة تتطلب يقظة، واستباقًا، ومراقبة، وتنسيقًا مع الجماعة، وتدخلًا سريعًا، بل وحتى تنظيفًا وتعقيمًا للمكان حين تدعو الضرورة، خاصة ونحن على أبواب فصل الصيف حيث تتحول مثل هذه البؤر إلى مصدر حقيقي للروائح والحشرات والمخاطر الصحية.

ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية للمجلس الجماعي وللشركة المكلفة لا يعفي بعض أفراد الساكنة من نصيبهم من المسؤولية، لأن المدينة لا تُدار فقط بالقرارات والعقود، بل أيضًا بالسلوك اليومي للمواطنين. فمن غير المقبول أن نطالب بالنظافة ثم نساهم، عن قصد أو عن استهتار، في رمي الأزبال في غير أماكنها، أو نغض الطرف عن من يحول الفضاءات المشتركة إلى مطارح عشوائية. إن بعض المظاهر التي نراها يوميًا تعكس، بكل أسف، ضعفًا في الوعي المدني، وغيابًا للإحساس بأن الشارع والساحة والحي ليست ملكًا مجهولًا، بل هي امتداد لكرامة الإنسان نفسه. فالذي يرمي الأزبال في ساحة عمومية لا يسيء فقط إلى المكان، بل يسيء إلى جيرانه، وإلى الأطفال المارين، وإلى التلاميذ، وإلى صورة الحي بأكمله.

المؤسف في هذا المشهد أن المتضرر الأول ليس جهة بعينها، بل الساكنة كلها، خاصة مع اقتراب فصل الصيف، حيث تتحول الروائح إلى معاناة يومية، وتصبح الحشرات والكلاب والقطط الضالة جزءًا من المشهد، ويُفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية لا ينبغي الاستهانة بها. كما أن استمرار هذه الوضعية يبعث برسالة سلبية جدًا مفادها أن بعض الفضاءات في المدينة متروكة للإهمال، وأن التعايش مع الأزبال أصبح أمرًا عاديًا، وهو أمر خطير جدًا لأنه يطبع مع الرداءة، ويجعل المواطن يفقد ثقته في جدوى المطالبة بحقوقه الأساسية، وعلى رأسها الحق في بيئة سليمة ونظيفة.

 

إن المسؤولية هنا مشتركة، نعم، لكنها ليست مسؤولية مبهمة أو فضفاضة حتى تضيع بين الجميع. المجلس الجماعي مطالب بتدخل عاجل وحاسم، والشركة المفوض لها مطالبة بتحمل التزاماتها كاملة، والساكنة مطالبة بأن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة. لأن الساحة العمومية ليست مكانًا لتكديس الأزبال، بل هي عنوان على مستوى احترام المدينة لنفسها، وعلى مستوى احترام المسؤولين لالتزاماتهم، وعلى مستوى وعي المواطنين بواجباتهم. وما يحدث اليوم في هذه الساحة بالقنيطرة يجب ألا يُنظر إليه كحادث عابر، بل كجرس إنذار حقيقي يستوجب تحركًا فوريًا قبل أن يصبح الوضع أكثر سوءًا مع حرارة الصيف، وقبل أن تتحول معاناة السكان إلى شكل آخر من أشكال الصمت المفروض على الأحياء المنسية.

فالقنيطرة تستحق أفضل من هذا، وساكنتها تستحق فضاءات نظيفة تحفظ الكرامة، وتُبعد الأذى، وتعيد للحي صورته التي تليق به، لأن الأزبال حين تُترك في قلب الأحياء لا تكون مجرد نفايات، بل تكون شاهدًا صامتًا على تقصير لا يجب أن يستمر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق