المنتخب لم يتغيّر… الذي انكشف هو استعجالنا

هيئة التحرير30 ديسمبر 2025آخر تحديث :
المنتخب لم يتغيّر… الذي انكشف هو استعجالنا

احتاج المنتخب المغربي إلى مباراة واحدة أمام زامبيا ليُربك الجميع:

المنتقدين، المتشائمين، بل وحتى بعض المدافعين عنه. الفريق نفسه الذي وُضع في قفص الاتهام بعد مباراتين غير مقنعتين، ظهر فجأة بوجه منتخب يعرف ماذا يريد، كيف يتحكم في إيقاع اللعب، ومتى يضغط ومتى ينتظر. أداء يوحي بالنضج، أقرب إلى مدارس كروية تعرف أن البطولات لا تُلعب بالأعصاب.

لكن الخطأ الجوهري ليس في المباراتين السابقتين، ولا في هذه المباراة.

الخطأ الحقيقي كامن في طريقة قراءتنا لكرة القدم.

بعد أول تعثر، انطلقت ماكينة الاتهام بسرعة لافتة:

المدرب فقد السيطرة، اللاعبون مشبعون، المنتخب بلا روح، المشروع انتهى. لم يكن النقد تحليلًا، بل كان تفريغًا للقلق، وكأن أي بداية متعثرة تعني بالضرورة نهاية الطريق.

مباراة زامبيا لم تُنتج منتخبًا جديدًا، ولم تُصلح فجأة كل الأعطاب التي تحدث عنها البعض. ما حدث ببساطة هو أن المنتخب لعب مباراة ذكية، مباراة لا تبحث عن الإقناع البصري بقدر ما تبحث عن النجاعة. لعب بعقل بارد، دون تهور، دون استعراض، ودون حاجة لإثبات شيء لأحد.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:

نحن نطالب المنتخب بالنضج، لكننا نتابعه بذهنية غير ناضجة.

في البطولات الكبرى، الشكل لا يكون دائمًا صادقًا في الجولات الأولى. الفرق التي تصل بعيدًا ليست بالضرورة تلك التي تُمتع منذ البداية، بل تلك التي تعرف كيف تُدبّر طاقتها، وكيف تُراكم الثقة داخل المجموعة بعيدًا عن الضجيج الخارجي.

ما فعله المنتخب أمام زامبيا هو أنه استعاد السيطرة:

سيطرة على الكرة، على النفس، وعلى زمن المباراة. وهي أمور لا تُقاس بالعناوين الصاخبة، بل بالهدوء الذي يزرعه الفريق في خصمه وفي نفسه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

هل نملك، كإعلام وجمهور، الحد الأدنى من الصبر لمرافقة منتخبنا؟

أم أننا لا نرى إلا النتيجة الآنية، ونقيس المشاريع الكبرى بمنطق المباراة الواحدة؟

المنتخب لا يحتاج إلى تصفيق أعمى، كما لا يحتاج إلى جلد جماعي عند أول مطب. يحتاج فقط إلى نقد مسؤول يميّز بين الخلل البنيوي والتعثر الظرفي، بين سوء الاختيارات وانعدام الرؤية.

مباراة زامبيا ليست إعلان تتويج، لكنها أيضًا ليست صدفة. إنها تذكير قاسٍ بأن أكبر أزمة في كرة القدم الوطنية ليست دائمًا داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه، في سرعة الأحكام، وضيق أفق الانتظار.

المنتخب لم يتغير بين مباراتين.

الذي تغيّر هو أننا رأينا، مرة أخرى، كيف يمكن لمباراة واحدة أن تُسكت الضجيج… مؤقتًا.

والخوف كل الخوف، أن يعود الضجيج نفسه عند أول تعثر جديد، دون أن نكون قد تعلّمنا شيئًا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق