الكاف بين تثبيت المكاسب وإعادة رسم خريطة الكرة الإفريقية

هيئة التحرير13 فبراير 2026آخر تحديث :
الكاف بين تثبيت المكاسب وإعادة رسم خريطة الكرة الإفريقية

لا تبدو تصريحات رئيس باتريس موتسيبي مجرد عرضٍ لبرنامج مسابقات أو استعراضٍ لنجاح تنظيمي عابر، بل تحمل في طياتها ملامح مرحلة جديدة يسعى من خلالها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى تثبيت مكاسبه، وإعادة صياغة توازناته الداخلية، وتعزيز موقعه في السوق الكروية العالمية.

تأكيد إقامة كأس الأمم الإفريقية للسيدات 2026 في المغرب ابتداءً من 17 مارس، دون أي تغيير في الموعد، يحمل أكثر من رسالة. فهو من جهة يعكس ثقة مؤسساتية في قدرة المملكة على احتضان التظاهرات الكبرى، ومن جهة أخرى يبعث بإشارة استقرار إلى الشركاء والرعاة والجمهور، في وقت تعرف فيه كرة القدم الإفريقية تحولات متسارعة. الإشادة العلنية بالمغرب، ملكاً وحكومةً وشعباً، وبالبنيات التحتية والملاعب والأجواء، ليست فقط مجاملة دبلوماسية، بل تثبيت لرهان استراتيجي اختار فيه الكاف الاستثمار في بلدان قادرة على تقديم صورة حديثة ومقنعة عن القارة.

الرقم الذي تم الكشف عنه بخصوص 6.1 مليار مشاهدة رقمية لنسخة “المغرب 2025” يندرج بدوره ضمن خطاب القوة الناعمة. فالكاف لم يعد يتحدث فقط عن منافسة رياضية، بل عن منتج إعلامي وتجاري قادر على جذب العالم. هذه الأرقام تمنح الاتحاد ورقة تفاوض قوية مع الرعاة والناقلين، وتفتح الباب أمام إعادة تقييم حقوق البث والتسويق. إنها لغة اقتصاد كرة القدم، حيث تتحول البطولة إلى منصة استثمار وصورة وهوية.

في المقابل، فإن الإعلان عن مراجعة القوانين بعد ما شهدته المباراة النهائية على أرضية المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله يوم 18 يناير 2026، يعكس إدراكاً بأن النجاح التنظيمي لا يكتمل دون انضباط مؤسساتي صارم. تصريح موتسيبي بأن ما حدث “لا يشرف القارة” هو اعتراف ضمني بأن صورة إفريقيا الكروية ما تزال هشة أمام أي انزلاق. الحديث عن تحيين اللوائح وعدم التسامح مستقبلاً يؤشر إلى رغبة في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، خاصة مع احتمال وصول الاستئناف المغربي إلى محكمة التحكيم الرياضية، وهو ما يضع الملف في دائرة التدقيق الدولي.

إعلان إطلاق “دوري الأمم الإفريقية” بنظام المناطق الجغرافية يمثل بدوره تحركاً تكتيكياً ذكياً. فالتقسيم الجهوي لا يخلق فقط تنافساً أقوى وأقرب إلى الجمهور، بل يضمن مباريات ديربي ذات حساسية تاريخية وجماهيرية عالية، خصوصاً في شمال إفريقيا. هذه الصيغة قد ترفع نسب المتابعة، وتخفف أعباء التنقل، وتعزز العدالة التنافسية بين منتخبات متقاربة المستوى، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا تتحول المنافسة الإقليمية إلى توتر يتجاوز الإطار الرياضي.

أما التوجه نحو رفع عدد المنتخبات في النهائيات من 24 إلى 28 منتخباً، فيحمل بُعداً سياسياً وتنموياً معاً. فمن جهة يوسع قاعدة التمثيلية ويمنح اتحادات أكثر شعوراً بالاندماج داخل المشروع القاري، ومن جهة أخرى يطرح تحديات لوجستية وتنظيمية تتعلق بجودة الملاعب وجدولة المباريات والحفاظ على مستوى التنافس. التجربة العالمية أظهرت أن التوسعة قد تعزز الشمولية، لكنها تتطلب توازناً دقيقاً حتى لا تؤثر على جودة العرض الكروي.

في المحصلة، تبدو المرحلة التي يقودها موتسيبي محاولة لإعادة تموقع الكاف كهيئة حديثة ذات رؤية اقتصادية وتنظيمية واضحة، تجمع بين تثمين النجاحات، ومعالجة الاختلالات، وتوسيع قاعدة المنافسة. إنها معادلة دقيقة بين الطموح القاري والاعتبارات الواقعية، بين صورة إفريقيا التي تُصدَّر إلى العالم، وتحديات الداخل التي لا تزال تحتاج إلى حوكمة أكثر صرامة. نجاح هذه الرؤية لن يقاس فقط بعدد المشاهدات أو بعدد المنتخبات المشاركة، بل بقدرة الكاف على ترسيخ الثقة، وضمان النزاهة، وتحويل الزخم الحالي إلى مشروع مستدام يعيد رسم خريطة الكرة الإفريقية لعقد قادم على الأقل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق